الرئيسيةالمجلهاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتجروب منتديات ابو هيفالتسجيلدخولالتسجيل

شاطر | 
 

 تأملات في سورة مريم ... عذاب مضاعف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abohif
©{« رئيس المنتدى »}©
©{« رئيس المنتدى »}©


ذكر تاريخ الميلاد : 06/02/1992 اعلام البلااد : العمر : 24
تاريخ التسجيل : 17/03/2009 القرد

مُساهمةموضوع: تأملات في سورة مريم ... عذاب مضاعف   الإثنين أبريل 06, 2009 11:47 pm

قال تعالى “أطّلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا” (مريم 78 - 79)

وعدت في المقالة السابقة بأن نقف وقفة طويلة أمام الجواب القرآني الذي كشف زيف ادعاء هذا الكافر - المنكر للبعث والحشر - والذي تأله على الله تعالى، وادعى كذباً وزوراً انه سيؤتى في الآخر مالاً وولداً على الرغم من كفره وفجوره، ولنتذكر ثانية ما حكاه القرآن الكريم على لسان هذا الكافر حيث قال تعالى: “أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولدا”. وقد أفضنا في تفسير هذه الآية الكريمة، ولكن سأقف وقفة يسيرة جداً مرة ثانية، لأضع نفسي مكان من يسألني: أنتم فسرتم هذه الآية بأن هذا الكافر وهو العاص بن وائل - جد عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما - زعم كذباً وزوراً بأنه سيؤتى في الآخرة مالاً وولداً، وأنه أقسم على هذا بيمين فاجرة، ولكن لا يوجد في الآية الكريمة ما ينص أو حتى ما يشير الى انه يقصد ان هذا الاتيان سيكون في الآخرة، لأنه لا يؤمن بها أصلاً، فما دليلكم على أنه يقصد ان هذا العطاء سيكون في الآخرة؟ والاجابة يسيرة جداً ألا وهي أنه من المعتمد في تفسير القرآن الكريم الوقوف على أسباب نزول السور أو بعض الآيات الكريمة، وقد ذكرت في المقالة السابقة سبب نزول هذه الآيات، ولقد تعددت الروايات التي تنص على ذكر العاص بن وائل كلمة البعث، وهو وإن لم يؤمن بها فقد قال هذا على سبيل السخرية والتندر.

عصف ذهني

وعُد معي الآن لنقف أمام الجواب القرآني على مقولة هذا الكافر حيث قال تعالى: “أطّلع الغيب ام اتخذ عند الرحمن عهدا”، والمتأمل في الجواب يجد أنه بني على الاستفهام، والاستفهام فيه عصف ذهني بعقل المخاطب ونفسه حتى يتمكن المعنى في نفسه ويستقر. والاستفهامان في الآية للانكار والتعجب، إنكار مقولة هذا الكافر وتعجب المخاطب منها. وقد نفى سبحانه الوسيلتين أو الطريقتين اللتين لا يتوصل الى العلم بما عند الله إلا بهما، وذلك لكشف كذب هذا الكافر، ولإبطال دعواه، وبيان ذلك أن معرفته بما أعد له يوم القيامة أو بوقوع أمر مغيّب عنه وانباؤه به لا يخلو من ان يكون بواسطة أحد أمرين: إما اطلاعه على الغيب، وقد علم ان هذا مما يختص به الله تعالى وحده، فلا أحد يعلم شيئاً من الغيوب المستقبلية إلا من أطلعه - سبحانه - عليه من رسله. وإما ان يكون قول هذا الكافر الزاعم أنه سينال خيراً عند الله في الآخرة بناء على عهد أو وعد من الله له أو بناء على عمل صالح ينتظر ثوابه، فإذا انتفى هذان الأمران علم بذلك بطلان دعوى هذا الكافر، وهكذا رأيت كيف جاء الجواب في شقه الأول هادئاً مقنعاً مدعماً بالحجة والبرهان، وتستطيع أن تقول معي الآن وأنت مطمئن: إن الاستفهامين في الآية للنفي - وهذا هو الغرض الأصلي - المشوب بالإنكار والتعجب وهما متفرعان عن الغرض الأصلي.

الاستشراف من علو

ولننظر نظرة اخرى في صياغة هذا الجواب، تأمل كلمة “أطّلع” في قوله - سبحانه - “أطّلع الغيب” وأصله: أطلع، فحذفت همزة الوصل تخفيفاً، وهو من قولهم: أطّلع الجبل، إذا صعد الى أعلاه. وهنا تسأل: وهل الغيب مما يرتقى حتى يقال “أطّلع الغيب”؟ وما فائدة ايثار هذه الكلمة؟

والجواب عن السؤال الأول بأن الكلام جار على الاستعارة المكنية، حيث شبه الغيب بجبل عال يرتقى الى أعلاه، وحذف المشبه به (الجبل) ورمز له بشيء من لوازمه على طريق الاستعارة المكنية، وجمال هذه الاستعارة في ما دلت عليه من تجسيد للمعنوي وهو الغيب، وإبرازه في صورة محسوسة مشاهدة، ويمكن ان تكون الاستعارة في كلمة (أطّلع) نفسها، حيث استعيرت للاستشراف على الشيء من علو، فقد شبّه حال الكافر قائل تلك المقولة بحال من ارتقى جبلاً شاهقاً أمكنه من رؤية كل ما يحيط به، وللدلالة على المبالغة في حصول الطلوع أي الارتقاء أو الصعود جاء الفعل على صيغة “افتعل”. وفي قوله “أطّلع الغيب” (كناية عن الإحاطة بشؤون الله، وما هو قاض به في المستقبل، وهذا توغل في الدعوى مع خلو المدعي من هذه الاحاطة لبيان قبح زعمه وتطاوله).

أما عن إيثار هذه الكلمة (أطّلع) فإليك نص ما قاله الزمخشري وما نقله عنه جل المفسرين، يقول: “ولاختيار هذه الكلمة شأن، يقول: أو قد بلغ من عظمة شأنه ان ارتقى الى غيب الذي توحد به الواحد القهار) والمفهوم من كلام الزمخشري ان السر في إيثار الكلمة دلالتها على عظمة شأن الكافر - المنفية بواسطة الاستفهام - ولكنني أخالف الزمخشري، لأن هذا المعنى يفهم من دلالة الجملة كاملة (أطّلع الغيب) وليس من دلالة الفعل فحسب، وأرى - والله أعلم - أن السر وراء ايثارها هو دلالتها على الارتقاء والمكاشفة والظهور والمعاينة والمعنى - والله أعلم - أبلغ هذا المدعي حدّا من الارتقاء والمعاينة والعلو والمكاشفة حتى تهتك له حجب الغيب؟ ولعل هذا سر ايثارها على التعبير بالعلم، حيث لم يقل “أعلم الغيب؟”.

و”أم” في قوله تعالى: “أم اتخذ عند الرحمن عهدا” متصلة - وليست بمعنى “أو” أي أنها لمجرد العطف، وليس فيها معنى الاستفهام، وهذا رأي البيضاوي - ومعناها مع معنى الهمزة في “أطّلع” أن “أياً من الأمرين لم يحدث لا الاطلاع على الغيب ولا اتخاذ عهد عند الرحمن”.

وصيغة الافتعال في قوله تعالى “اتخذ” تدل على المبالغة في الأخذ أي: أبذل الجهد في سبيل ان ينال عهدا من الله ان يؤتيه خيراً يوم القيامة أو أبذل طاعته في عمل صالح يرجو ثوابه عند ربه يوم القيامة؟

رد مزلزل

وأوثر اسم “الرحمن” من بين أسمائه تعالى، (لأن استحضار مدلوله أجدر في وفائه بما عهد به من النعمة المزعومة) ولأن (الرحمن) أبلغ في الدلالة على سعة الرحمة وشمولها لجميع الخلق، ولما في الاسم (من معاني البر والاحسان حتى لمن لا عهد لهم عنده، فما بالك لو كان عند الرحمن عهد لأحد؟ أما يكون أجدر بالوفاء؟

وبعد هذا الجواب الهادئ المعتمد على الحجة والبرهان، يأتي الرد المزلزل الحاسم بنبرة عالية مدوية “كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا”.

و”كلا” لفظة زجر وردع تفيد النفي أي ابطال كلام سابق عليها، وفيها إنقاض لكلام الكافر المستهزئ والتقدير: لم يكن ذلك، فلم يطلع على الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدا حتى تجاب سؤلته. وفي هذا تنبيه على كذبه. وأرجو ان تقرأ هذا الحرف عدة مرات مع الآيات التي قبله مباشرة، لتشعر بما شعرت به من أن هذا الحرف وكأنه قد استحال الى صخرة عظيمة تقذف في وجه هذا المدعي الكافر الكاذب، كما ان امتداد الصوت بتلك الألف في نهاية اللفظة (كلا)، أكاد أسمعه صيحة مدوية تصم أذن هذا القائل وأذن كل كافر مثله.

وقد تكرر هذا الحرف (كلا) في القرآن في ثلاثة وثلاثين موضعاً، كلها جاءت في النصف الأخير منه، وهنا أول موضع له في القرآن الكريم كله.

“كلا سنكتب ما يقول” أي سنكتب قول هذا الكافر: لأوتين في الآخرة مالاً وولداً. وواضح ان في “كلا” وما بعدها ايجاز بالحذف - عرفت تقديره من خلال التفسير - ولو حكي ادعاء هذا الكافر هنا لطال الكلام، كما أن في هذا الحذف طرحاً لذلك الزيف وعدم اعتداد به بعدما ذُكر أول مرة لنفيه والتعجيب منه ولتسجيل الوزر على قائله.

دلالة “السين”

والسين حرف تسويف، ودخول السين على “نكتب” في الآية أثار سؤالاً وهو: كيف قيل “سنكتب ما يقول” أي في المستقبل - كما تدل عليه السين - وهذا يخالف دلالة، في الظاهر، قوله تعالى “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد” (ق18)، ففي الآية اشارة الى الكتابة الفورية لكل ما يلفظ؟!

والجواب أن المقصود بالكتابة في الآية الجزاء، وكني بالكتابة لما يترتب عليها من الجزاء، والمعنى: سنحفظ عليه ما يقوله فنجازيه في الآخرة، وهذا مسوّغ دخول حرف الاستقبال (السين)، ويمكن حمل المعنى على الوعيد، أي سنعاقبه على كفره واستهزائه مهما تراخى زمن هذا العقاب.

وهذا واضح في ان الغرض من هذا الكلام محض التهديد والوعيد. وعلى أية حال فإن في العبارة مجازاً مرسلاً علاقته السببية، فكتابة جريمة المجرم وتسجيلها سبب لعقوبته، وهذا بناء على تفسير الكتابة بالجزاء أو الانتقام.

ويجوز ان يكون معنى “سنكتب”: سنظهر له أنا كتبنا قوله وعليه ففي الكلمة استعارة تبعية بتنزيل “إظهار الشيء الخفي - كتابة الأعمال - منزلة إحداث الأمر المعدوم - أي ايجاد الأمر المعدوم - بجامع ان كلا منهما اخراج من الكمون - الاستتار وعدم الظهور - الى البروز، فيكون اللفظ استعارة تبعية مبنية على تشبيه إظهار الكتابة على رؤوس الأشهاد بإحداثها.

وقيل إن السين لتأكيد الكتابة في الحال، وبهذا لا تعارض في الآية مع قوله تعالى: “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”(ق:18) ولا مع قوله تعالى: “ورسلنا لديهم يكتبون”(الزخرف:80).

وفي هذا التوجيه نظر، لأن السين اذا اكدت فإنها تؤكد الوعد او الوعيد، وتفيد بأنه كائن أي واقع لا محالة في المستقبل، اي انها تؤكد ما يراد انه واقع في المستقبل من الوعد او الوعيد ولا تؤكد ما يراد به الحال، لتعارضه مع معناها.

والآن نستطيع ان نقول إن الرأيين الأولين في توجيه السين والكتابة هما الأولى بالقبول، والله أعلم.

وتأمل التعبير بنون العظمة في “سنكتب” وما فيه من دلالة على التهديد والوعيد، ثم تدبر التعبير بالمضارع “يقول” بدلا من الماضي (قال) وما فيه من استحضار لتلك القولة الشنعاء المغلفة بالاستهزاء والسخرية وكأنها تقال الآن لغرابتها. أو يكون سر التعبير بالمضارع الإشارة الى استمرار اقتناعه بمضمونها، واعتقاده بأن له زلفى في الآخرة التي لا يؤمن بها وذلك على فرضه لوقوعها والله أعلم بمراده.



صورة محسوسة للغيب

تأمل كلمة “أطّلع” في قوله سبحانه: “أطّلع الغيب” وأصله: أطلع، فحذفت همزة الوصل تخفيفاً، وهو من قولهم: أطّلع الجبل، إذا صعد الى أعلاه. وهنا تسأل: وهل الغيب مما يرتقى حتى يقال “أطّلع الغيب”؟ وما فائدة ايثار هذه الكلمة؟

والجواب عن السوال الأول بأن الكلام جار على الاستعارة المكنية، حيث شبه الغيب بجبل عال يرتقى الى أعلاه، وحذف المشبه به “الجبل” ورمز له بشيء من لوازمه على طريق الاستعارة المكنية، وجمال هذه الاستعارة في ما دلت عليه من تجسيد للمعنوي وهو الغيب، وإبرازه في صورة محسوسة مشاهدة.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://abohif.hooxs.com
 
تأملات في سورة مريم ... عذاب مضاعف
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات ابو هيف :: «®°·.¸.•°°·.¸.•°™المنتديات الاسلاميه ™°·.¸.•°°·.¸.•°®» :: .::..::. المنتدى الاسلامى العام .::..::. :: القرآن الكريم و السنه الشريفه-
انتقل الى: